تُظهر الأحداث المتكررة التي تتكشف بين الفينة والأخرى من حالات تهريب منظمة على الحدود، وتفجيرات وهجمات نوعية متفرقة، ونشاط عسكري في الجنوب السوري أن إيران لم تغادر المشهد تماماً، على عكس ما كان متوقعاً عقب سقوط النظام المخلوع في كانون الأول عام 2024، وطرد جحافل الميليشيات الإيرانية وترحيل عناصرها عبر مطار حميميم.
فالوقائع اليوم تقول إن إيران غادرت سوريا من الباب العريض وتسللت من المدخنة الضيقة. وإن لم نكن مخطئين، فإن التقدير الأمني يشير اليوم إلى أن طهران انتقلت إلى تموضع غير متماثل وأقل تكلفة للتأثير في الوضع السوري مقارنة بما كانت عليه في عهد النظام السابق.
يمنحها هذا التموضع القدرة على الإضرار بالاستقرار الداخلي، مع المضي قدماً في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، المتمثلة في مواصلة دعم حليفها “حزب الله”، واستخدام الجغرافيا السورية كمنصة لتوجيه الرسائل ضد إسرائيل. والمفارقة هنا أن كل ذلك يجري دون أن تتحمل طهران التكاليف الاقتصادية والسياسية الباهظة التي كانت ترهقها في السابق للحفاظ على وجودها العسكري المباشر ودعم استمرارية النظام المخلوع.
والأخطر من ذلك، أنه لا يلوح في الأفق مسارٌ واضح لانحسار هذا النفوذ؛ إذ بات يتغذى اليوم على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، والضغوط الاقتصادية، والمظالم الشعبية، ناهيك عن الثغرات الأمنية والشروخ الطائفية. كما يتخذ هذا النفوذ من الفضاء الافتراضي والدعاية الموجهة وقوداً لتغذية سرديته وشرعنة تحركاته، في محاولة خبيثة لإبقاء سوريا في حالة دائمة من الاستقطاب والاضطراب.
ورغم هذا التحول الإيراني من التموضع المباشر والعلني إلى عقيدة “التكيف الرمادي” ونفوذ الظل الهجين عبر شبكات التهريب العابرة للحدود والتغلغل الأمني غير المركزي فإن ذلك لا يعني أن القيادة السورية قد فقدت السيطرة على قواعد اللعبة تماماً. فسوريا، وعلى الرغم مما تعانيه من تحديات أمنية معقدة ومركبة، تشير معطياتها العامة إلى انتقال بطيء ولكنه متدرج من الاستقرار الهش إلى حالة من الاستقرار المستدام، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية النوعية، ورفع كفاءة الأجهزة الوطنية، وتثبيت أركان الدولة.
فقد انتقلت الأجهزة الأمنية السورية اليوم من مرحلة المداهمة والطرد المباشر للوجود الإيراني إلى مرحلة الرصد الاستخباري المستمر والتعامل الجراحي الدقيق مع بقاياه الأكثر سرية وخطورة. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن توقيف نحو ستة آلاف عنصر وضابط من أمن وعسكر النظام المخلوع بحلول منتصف يونيو 2026، ضمن حملات أمنية متواصلة جرت منذ سقوط النظام لتعقب المتورطين بانتهاكات سابقة، إلى جانب عناصر انخرطوا في خلايا نائمة تعاونت مع حزب الله وأطراف خارجية.
مع ذلك، يظل نشاط طهران الخفي أخطر مما يبدو على السطح، فبلغة الأرقام تشير الإحصائيات الميدانية إلى أن إجمالي العمليات الأمنية والتخريبية التي رُصدت أو أُحبطت منذ سقوط النظام تجاوز ثلاثين عملية رئيسية. وقد توزعت هذه العمليات بنسبة 50 بالمئة لنشاطات التهريب عبر الحدود، و30 بالمئة لعمليات الخلايا السرية والتفجيرات، في حين شكلت الهجمات في الجنوب ومحاولات الاغتيال نسبة 20 بالمئة، وتوزع نطاقها الجغرافي بنسب متفاوتة بين الساحل والجنوب وشرق الفرات والمنطقة الوسطى ودمشق وضواحيها.
وتعكس القدرة الإيرانية على إعادة تحريك عناصر أيديولوجية مدربة وموثوقة من مناطق مثل نبل والفوعة ونقلهم نحو الجنوب السوري لدعم تشكيلات مثل “جماعة أولي البأس” و”المقاومة الإسلامية”، المرونة العالية التي تعتمد عليها طهران في مرحلة ما بعد عام 2024. إذ أضحت تعتمد على استراتيجية طويلة الأمد تضمن لها هامش مناورة واسعاً، قائماً على أنماط تحرك سريعة وشبكات خفية تعتمد التخفي والتنقل المستمر بدلاً من التموضع الثابت وبناء القواعد العسكرية المكشوفة.
وعلى الصعيد اللوجستي، كشفت عملية ضبط شحنة الأسلحة المهربة عبر معبر التنف الحدودي مع العراق عن أبعاد خطيرة؛ حيث تم ضبط أجزاء مفككة لأسلحة متقدمة شملت صواريخ كروز من طراز “قدس” بمدى يتجاوز 1500 كيلومتر، وأسلحة مضادة للدروع، ومئات الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية (FPV)، فضلاً عن ضبط مصانع ومستودعات سرية احتوت على مئات العبوات الناسفة وصواريخ “غراد” وقذائف المدفعية.
وفي السياق ذاته، أشار تقرير حديث لمعهد “نيولاينز” إلى أن شبكات المخدرات، التي كانت تشكل شريان تمويل رئيسياً للنظام السابق وحلفائه، قد جرى نقل ثقلها إلى المناطق الحدودية؛ حيث تحاول إيران وحزب الله استغلال الفجوات الحدودية للحفاظ على ممرات لوجستية وتوفير مصادر تمويل بديلة.
في المحصلة، يُصنّف التهديد الإيراني في سوريا اليوم ضمن مستوى “متوسط إلى مرتفع”. ففي حين يشكل التهريب التحدي الميداني الأبرز، تهدف التفجيرات والخلايا السرية إلى إحداث إرباك أمني ونفسي وتغذية الاستقطاب الطائفي، فيما تظل ميليشيات الجنوب تشكل خطراً استراتيجياً يهدف إلى زج البلاد في أتون مواجهات إقليمية. وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه المطالبات الدولية والإقليمية بنزع سلاح “حزب الله”، مما يضع سوريا أمام مسؤوليات جسيمة تثبت أن تحديات الاستقرار الداخلي لا تقل أهمية عن التحديات الحدودية.
في نهاية المطاف، تجد القيادة السورية الجديدة نفسها أمام حقيقة لا يمكن القفز فوقها، فالهروب من الاستحقاقات الأمنية على الحدود ليس حلاً، إنما مجرد تأجيل لمواجهة قادمة ستكون ربما أشد تكلفة. كما أن ترك الشريط الحدودي مع لبنان عرضة لسيولة النفوذ الإيراني ونشاط «حزب الله» بحجة تجنب الاستنزاف، قد يبدو خياراً مريحاً على المدى القريب، لكنه يهدد بزراعة لغم موقوت في حضن الدولة السورية.
مع ذلك، فإن الحل لا يكمن في اندفاعة غير محسوبة نحو العمق اللبناني، ولا في إغلاق العين عن المخاطر؛ بل في امتلاك الجرأة لممارسة ردع وقائي ذكي ومحصن بتنسيق إقليمي ودولي. فالمسألة ليست خياراً بين الصراع أو الاستقرار، بل هي امتحان لسيادة سوريا، التي إما أن تفرض حضورها على حدودها اليوم بتكتيكات جراحية صارمة، أو أن تستيقظ غداً لتجد الحدود هي من تفرض أجندتها الصعبة عليها.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.