يتنافس بعض المتحدثين في لبنان على بناء سيناريوهات للتدخل السوري المقبل في لبنان. لا يهم أن يأتي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مكررا مؤكدا مطمئنا بيروت أن لا خطط ولا نوايا لهذا الاحتمال. ولا يهم أن ينفي الأمر الرئيس السوري أحمد الشرع، مجددا الأحد، هذه الجلبة. ذهب قبل ذلك إلى تفسير تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتلميح بأنها أبجديات حمالة أوجه لها مقاصد ترتبط بزمانها ومكانها. وما يستهوي المتحدثون هو سادية فكر مسبق يحذر من “ذئب” يهدد القطيع
يؤكد أولئك المتحدثين كما حال بعضهم الزاعم بمعرفة بواطن الأمور وأسرارها في عواصم العالم (وحتى في دمشق) أن فكرة التدخل السوري مصدرها الشرع نفسه. تُنسب المعلومة إلى مراجع عليا لعل في التلطي بها إفحاما يُبنى عليه. يتطوع متحدثون آخرون ليؤكدوا بالهمز واللمز وهزّ الرأس أن صاحب الفكرة “سياسي عربي” الأرجح أنه لبناني نافذ في تركيا وأن السفير الأميركي هناك توماس باراك راقت له الفكرة وراح يسوقها لدى صديقه ترامب في البيت الأبيض.
مفارقة المصادر اللبنانية التي تروي المعلومات بكل ثقة ويقين من دون أن يرمش لها جفن أنها محسوبة على التيار السيادي المعارض بشراسة لحزب الله. وفيما تقدم المعلومات كمعطيات مسلّما بها، فإن هدفها شيطنة تحوّلات دمشق والتهويل بمطامعها في بلادنا لا سيما في الشق المهدِّد لنظام لبنان السياسي، والمزعزع خصوصا لتوازناته الطائفية.
في استنتاج ذلك التوجس المترجل والمتوتر يُشتم عداء للنظام في دمشق الذي أسقط نظاما كان المتحدثون يعتبرونه خصما وعدواً. وفي استنتاج أكثر عمقا تستدرج تلك المعلومات تحولا يقترب من سرديات “الحزب” في توصيفه وتشريحه للتحولات التي قادها الشرع في بلاده قد تذهب إلى استحسان فكرة الدفاع عن سلاح “الحزب” والاستقواء به في مواجهة يقين اجتياح سوري للبنان.
تقوم الهواجس المستجدّة من سوريا على عصبيات طائفية تلاقي عصبيات طائفية أخرى تعادي بطبيعتها تحوّلات ما وراء الحدود مخافة أن تتقدم عصبيات في لبنان على عصبيات أخرى. تتفهم دمشق علّة بنيوية لبنانية يعرفها البلد منذ تشكّله، وتحاول مجاراتها بالقول وإعادة القول. ولأن دولة لبنان ما زالت قيد الانتعاش ولا تحظى، على قلة العادة، بالثقة العامة التي تجعلها مرجعا وحيدا للنقاش في كرّه وفرّه، فإن منتجي المعلومات “الموثوقة” يسرحون وطبعا يمرحون داخل فضاء حربة يتيح رمي الكلام الذي يهدف إلى تقديم سوريا عدوا في شرق البلد وشماله.
لا يكترث “المتحدثون” لسوريا. يعتبرون أن الحدود جدار تاريخي وجغرافي يفصل بين مصيرين. لا يثقون بمعادلة بديهية بأن ما يحصل عندهم من خير وشر يتمدد نحونا ولا تقف حدودٌ دونه. غير مقتنعين أن استقرار وازدهار واستمرار التحوّل الذي أنجز هناك منذ كانون الأول 2024 يمدّ ظلاله على ما استجد في لبنان وقلب موازين قواه ووعد بتحولات طال انتظارها. لا يجدون في الاحتضان العابر للعواصم الذي عرفته دمشق وحجيج القادة إليها بما فيهم آخرهم الأممي البرتغالي أنطونيو غوتيريش بعد الفرنسي إيمانويل ماكرون أعراضَ عافية وتعاف لا تستوي مع امتهان لبناني لحرفة الخوف من الآخر في “الشام”.
يصدف أن يحذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إسرائيل من أن “أمن هاتاي من أمن حلب ودمشق وبيروت”، فيلتقط “متحدثونا” اسم عاصمتنا، يخرجونها من سياق الظرف والزمان والمكان، ويعيدون إنتاجها على شكل دليل على “زحف” الشرع إلى بيروت. يتبرع أصحاب المعلومات “السيادية” باستشراف صعوبة ذلك الزحف المفترض بسبب سلاح “الحزب”ً بما يوحي بمفاتن ذلك السلاح ومحاسنه دفاعا عن لبنان وتهدئة لرعب طوائفه.
وجب للعلاقة مع سوريا أن تقوم على القواعد التي أكدها نظاما الحكم الحاليان في بيروت ودمشق. وإذ تمتلك سوريا حدودا مترامية مع البحر الذي تطل منه على الغرب، ومع البرّ الذي تطل منه على الشرق وشرق الشرق، فإننا في البرّ لا نمتلك حدودا عملية إلا مع سوريا بوابتنا إلى العرب وما وراء العرب.
حين نقتنع بالقواعد الداخلية والعوامل الخارجية التي تنظم مساراتنا وتحدد مصيرنا، سيكون حريّا بنا، صونا لمصالحنا إذا ما أهملنا الحديث عن الجيرة والانتماء، أن لا تسمح فضاءاتنا بارتكاب خطايا لا هدف لها إلا الاستعداء المجاني الذي قد يكون مغرضا وصاحب أجندات أو غبيا تحركه العصبيات الغرائزية المرضية. فحين زار رئيس الحكومة نواف سلام العراق، الأحد، تحدث عن “مشاريع ربط وتكامل” وفي ذهنه أن بين بيروت وبغداد فضاء “الشام”.
أساس ميديا




Comments are closed for this post.