في زيارة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار والتنمية، واستجابة للأولويات المتعلقة بالأمن الغذائي وأمن الطاقة، استقبل السيد الرئيس أحمد الشرع، في قصر الشعب بدمشق الأحد، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بحضور وفود وزارية من البلدين، ومشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
وتناولت المباحثات سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي، مع التأكيد على أهمية ضمان أمن خطوط الإمداد الغذائي لتعزيز الاستقرار في ظل التوترات الدولية.
وقال زيلينسكي عبر منصة “إكس” إنه اتفق مع الشرع على العمل معاً لتوفير الأمن وتعزيز فرص التنمية لكل من سوريا وأوكرانيا، مؤكداً أن النقاش شمل فرص تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة، ودور أوكرانيا كمورد موثوق للمنتجات الغذائية.
وأشار الرئيس الأوكراني إلى إدراك بلاده التام لتحديات الطاقة والبنية التحتية في سوريا، معرباً عن استعداد كييف للعمل مع دمشق لتعزيز الفرص الاقتصادية والخدمية لشعبي البلدين.
الاقتصاد أولاً
تبرز الملفات الاقتصادية في زيارة زيلينسكي إلى دمشق، في ظل توجه سوريا للعمل على إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
كما تأتي الزيارة وسط جهود سوريا لتأمين احتياجاتها الغذائية عبر شراكات دولية متوازنة.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن هذه الزيارة تحمل أبعاداً أعمق من مجرد لقاء بروتوكولي، مشدداً على ضرورة قراءتها في سياق تحول جذري في أولويات سوريا نحو “الاقتصاد أولاً”.
وقال رحال لصحيفة “الثورة السورية” إن السؤال المحوري في سوريا اليوم بات اقتصادياً بامتياز، ويتعلق بإعادة تشغيل الإنتاج، وتأمين الغذاء والطاقة، وجذب استثمارات حقيقية.
وتكتسب زيارة الرئيس الأوكراني أهميتها في هذا السياق، إذ تأتي في وقت تضع فيه الحكومة السورية، الاقتصاد على رأس أولوياتها الفعلية.
شريك استراتيجي
في ملف الأمن الغذائي، اعتبر رحال أوكرانيا “شريكاً منطقياً” لسوريا، كونها إحدى أهم مصادر القمح في العالم، والتي أثبتت قدرتها على الصمود في الأسواق رغم الحرب.
وأوضح أن الانفتاح على كييف يشمل تأمين مورد إضافي، وتقليل المخاطر، وكسر الاحتكار الأحادي، ونقل الخبرات الزراعية والتقنية الضرورية في ظل تغير المناخ وتراجع الموارد.
وأوكرانيا منتج عالمي رئيسي للحبوب والبذور الزيتية، لكن المحصول يعتمد بشكل كبير على الظروف المناخية المواتية خلال فصلي الخريف والربيع.
وأفادت بيانات نادي الأعمال الزراعية الأوكراني ووزارة الاقتصاد في شباط، أن محصول القمح في أوكرانيا من المتوقع أن ينمو بنسبة 2.9 بالمئة ليصل إلى 23.1 مليون طن في 2026، نتيجة زيادة مساحة الأراضي المزروعة، رغم تراجع الإنتاجية.
وبحثت سوريا وأوكرانيا مطلع العام الحالي، آفاق التعاون في المجال الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، وذلك على هامش المنتدى العالمي للأغذية والزراعة 2026 في برلين.
وكانت أوكرانيا أرسلت 500 طن من دقيق القمح إلى سوريا كمساعدات إنسانية، بعد أيام من إسقاط النظام المخلوع.
صناعة متكاملة
يمثل تطوير قطاع الطاقة أولوية في خطة التعافي الاقتصادي، ويندرج التعاون مع أوكرانيا في إطار تبادل الخبرات.
وفي هذا الإطار، وصف رحال قطاع الطاقة بـ”العقدة الأكبر”، مشدداً على أنه لا يُتوقع من أوكرانيا تقديم حلول سحرية، لكنها تحمل تجربة ثمينة في إدارة الأزمات الطاقية تحت الضغط.
وأوضح أن إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتبادل الخبرات في التعامل مع الانقطاعات، كلها مجالات يمكن أن تفتح تعاونًا عمليًا وتدريجيًا، ما ينعكس إيجابًا على الصناعة والخدمات والاستقرار الاجتماعي.
ولفت إلى أن “أوكرانيا تمتلك خبرات متراكمة في إدارة شبكات الطاقة بعد سنوات من الحرب، وهو ما قد يفيد سوريا في إعادة تأهيل قطاعها المتضرر”.
أما في قطاع الفوسفات، فأشار رحال إلى أن سوريا تمتلك المادة الخام لكنها تفتقر إلى القيمة المضافة.
ورأى أن أي شراكة مع أوكرانيا يمكن أن تنقل هذا القطاع من مرحلة تصدير الخام إلى صناعة متكاملة تبدأ بالاستخراج ولا تنتهي عند الأسمدة، مستفيدة من الخبرة الصناعية الأوكرانية كشريك في بناء سلسلة إنتاج أكثر كفاءة وربحية.
وفي أيلول الماضي، بحث رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي، مع وفدٍ أوكراني برئاسة مدير ميناء أوديسا مكسيم غاربر، سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
وناقش الجانبان التسهيلات المقدمة لعمليات توريد شحنات الحبوب والزيوت القادمة من أوكرانيا إلى سوريا، وفرص الاستثمار في المناطق الحرة القريبة من المرافئ السورية.
كما تم التطرّق إلى سبل تعزيز التعاون في مجال تصدير المنتجات السورية إلى أوكرانيا، خاصة مادة الفوسفات، بما يسهم في توسيع آفاق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
وبعد التحرير، صدرت سوريا في نيسان 2025 أول باخرة محمّلة بـ 10 آلاف طن من الفوسفات عبر مرفأ طرطوس.
الحياد الإيجابي
تبرز أهمية الزيارة، بحسب رحال في ما تعكسه من تحول في الذهنية السورية نحو الخروج من “منطق المحاور الصلبة” إلى مساحة “الحياد الإيجابي”، حيث تبنى العلاقات على تقاطع المصالح لا على الاصطفاف.
وأكد أن هذا النمط من السياسة الاقتصادية هو ما تحتاجه مرحلة إعادة الإعمار، إذ لا يمكن لدولة واحدة أن تحمل العبء، ولا لشريك وحيد أن يقدم كل الحلول.
مع ذلك، حذر الخبير الاقتصادي من المبالغة في التفاؤل، مشدداً على أن الزيارات وحدها لا تبني اقتصاداً، والاتفاقيات لا تعني شيئاً دون ترجمتها إلى مشاريع على الأرض.
ولهذا شدد رحال على أن “التحدي الحقيقي لا يكمن في فتح الأبواب، بقدر ما يتمثل في القدرة على إدارة ما يدخل منها: استثمارات، شراكات، أو حتى فرص”.
وخلص رحال إلى أن زيارة زيلينسكي تمثل أكثر من حدث عابر، وتشير إلى أن الاقتصاد أصبح لغة مشتركة بين دول تعيش في ظروف معقدة، وأن إعادة الإعمار لم تعد قضية داخلية فقط، بل شبكة علاقات دولية مترابطة.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.