قلةٌ في الطلاب، وفرةٌ في الأساتذة، هكذا يمكن أن نَصِف المشهد السوري اليوم، الكل يعرف ويخطط، ويتحدث عن حلول، الكل لديه خطط استراتيجة وسياسات وآليات تنفيذ بغضّ النظر عن وجود بوصلة تخطيطية وطنية أو لا، البوصلة الوحيدة عند كثيرين هي الحرص على أن ينهض بلدهم بأقصى سرعة، وأن يرى سوريا مثل سويسرا أو سنغافورة أو هولندا، وأن يكون شريكاً في صناعة حاضر بلده ومستقبله.
هناك من يرى أن عدم وجود معلومات كافية عن السلطة الحالية وآليات اتخاذ القرار، وإدارة البلاد، أو قد تكون الخلفية العسكرية لعدد منهم هو الذي يجعلنا نتعقد أن لدينا القدرة على الحكم أفضل منهم، بل إن اعتقاد سوريين كثيرين أنه ليس لديهم خبرة في الحكم هو السبب، صحيحٌ أنه ليس لدينا قدرة على إدارة المعارك والانتصار فيها لكن!
هناك دوافعُ أخرى للمدرّسين في الصفّ السوري الكبير والنوايا الكامنة خلف هذه الأسْتذة فمنهم من يريد النصح، وهو حريص على نقل تجربته التي عاشها خارج سوريا مثلاً، وهناك من يشعر أن بلده عادت له لذلك لا بد أن يشارك في بنائها، وهناك من يعيد السبب إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي أعطت نفراً من الناس أدواراً أكبر من قدراتهم، وهناك من يرى أن السبب يعود إلى الشخصية السورية وثقتها بنفسها! هناك من يبتغي من كثرة أسْتذته القول: أنا الخبير! استعينوا بي.
فائضٌ في الوصاية على السلطة من سوريين كثيرين، ربما أحد أسبابه انفتاح مفاجئ للمجال العام، ونقص في المجالس الاستشارية والحوارية التي تديرها الدولة أو تشرف عليها، وعدم وجود عمل سياسي سوري؛ مما يجعل صفحات التواصل الاجتماعي المجال الأرحب للتعبير.
يمكننا أن نصف المشهد الوصائي على السلطة السورية، بمعنى من المعاني، بالعشوائية والصخب والعفوية.. حسناً المشهد أمر واقع، كيف نحوّله إلى قنوات تفاوضية مؤسساتية منضبطة تسهم في إنقاذ المرحلة الانتقالية من الهشاشة نحو التوازن والتنوع؟
تحتشد سورية اليوم بكل شيء، إلا بالصمت، الذي تعبنا منه، فالمقاهي نفضت غبار الخوف، ومنصات الفضاء الأزرق غدت برلمانات افتراضية لا تنام، ولا تتركنا ننام. يحمل نفرٌ من السوريين مساطرهم، ودفاتر علاماتهم، يبحثون عن مقعد الأستاذ الوصي المالك لحق المنح والمنع، والتصويب والتخطئة، فيختلط الحريصُ بالشامت، والخبير بالمغامر، مراحل ما بعد النزاع وانتصار الثورات يا عزيزي، سِرْ على بركة الله!
ثمة رؤيتان تتنافسان اليوم:
أولاً: الذين استطاعوا الصمود وإسقاط نظام عسكري متغول متوحش، يرون أنهم قادرون على إدارة المرحلة التالية، بكم أو دونكم.
ثانياً: فريق آخر خارج السلطة، نحن الأقدر فقد درسنا ولدينا خبرات وكفاءات وتجارب ولسان حالهم يكرر: ما هكذا تبنى الدول!
تتحول الأستذة أحياناً إلى آلية دفاعية يمارسها فريق من المجتمع المدني السوري لإعادة العسكر (الفصائل) إلى الثكنات، ولإشعارهم بأن “الشرعية الثورية” ليست شيكاً على بياض، وأنه آن الأوان للانتقال إلى عصر “الشرعية الإجرائية” التي تعتمد على الكفاءة والخبرة في الحكم!
غياب الحياة السياسية المؤسساتية في سورية سبب آخر في الكثير من الجدالات السورية، فالمجتمع عاش عقوداً من التأميم السياسي والكبت والتغييب.
عادة، في الدول المستقرة، يصوِّب الخبير نقده عبر حزب يمثله وينتمي إليه، أو نائب في البرلمان يعبِّر عن وجعه، أو مقالة يكتبها أو نقابة تحمي قطاعه. في الحالة السورية الحالية، وبسبب حداثة عهد المرحلة الانتقالية، تقف السلطة والشعب معاً وجهاً لوجه بلا عوازل مؤسساتية، فتغدو الحماسة سيدة الميدان والأفعال وردود الأفعال تصبح هي الأكثر حضوراً.
يريد كثير من السوريين أن تحصل الحكومة على 10/من 10 دون الانتباه لشح الموارد وظروف البلد والتوزانات الإقليمية، ونسيان أن سورية كانت موجودة على عدد من قوائم المنع الدولية التي تمنع حدوث أي تنمية فيها!
طبيعة التحول السوري الذي حدث؛ فيها إشكاليات؛ لأن الانتصار على النظام المخلوع لم يكن فعلاً مؤسساتياً إنما نتاج ثورة نبيلة وتضحيات شاسعة، شارك فيها معظم السوريين بطريقة أو بأخرى؛ من هنا فإن من قدَّم ابناً، أو بيتاً، أو سنوات من عمره في المنافي، من الطبيعي أن يرى في السلطة الجديدة “ابناً شرعياً” له، وليس حاكماً مخيفاً.
الشراكة في الدم والألم والوجع منحت السوريين حقاً نفسياً واجتماعياً في ممارسة الرقابة الصارمة على كل من يعتقدون أنهم يمثلونهم، ويتلاقى ذلك مع سمات “الشخصية السورية” المعروفة باعتداد عالٍ بالذات، غذّاه الفيسبوك الذي جعل الجميع حكاماً وأصحاب قرار ومواطنين في الخانة نفسها!
و”الأستذة” من جانب آخر؛ قد تكون رد فعل ضدّي على السلطة وثقافة “التصفيق الإجباري” في الطلائع والشبيبة وحزب البعث التي أكلت قلوب السوريين! ما الحلّ؟
مأسسة الشفافية عبر منصات رقمية حكومية أحد الحلول، حيث يتعرف المواطن الأستاذ وغير الأستاذ إلى عقود إعادة الإعمار، ومخزون السلع وتفاصيل بلده، كي يتحول النقد من تخمينات ترندية إلى تحليلات رقمية مسؤولة. وكذلك؛ تشكيل المجالس الاستشارية الوطنية التطوعية لكل وزارة، حيث ننتظر اجتماع كفاءات الداخل السوري العارفين بحساسية الواقع مع خبراء الشتات والمغتربات لنقل المعرفة الدولية، وإحداث مراكز الفكر، وإحياء دور النقابات والمنظمات.
أخيراً نسأل: هل “الأسْتذة” شر مطلق أم أنها بحاجة إلى ترشيد فحسب؟ قد تكون أعراضاً جانبية صحية لجسد سوري يتعافى من شلل طويل! كيف يمكننا أن نفرز قشّ الترند من قمح الخبرة الحقيقية؟ وكيف نجعل من الأسْتذة عاملاً يقوي المحرك السوري ولا يعوق حركته؟ هل التسريع في تشريع قوانين الأحزاب والانتخابات لنقل هذا الصخب من المقاهي والفيسبوك إلى أروقة المؤسسات والجدوى والخطط هو الحل؟
ختاماً؛ لا تخافوا أيها الطلاب! فقد تكون الأسْتذة، في أحد وجوهها، نوعاً من أنواع ملكية الشعب لسوريا الجديدة، إذ يخافون أن تسقط مجدداً في يد الاستفراد! لقد حوّل الرعبُ الكثير من السوريين إلى مدرّسين في صفوف خالية من الطلاب، الذين ذهب عدد منهم إلى البناء، بغض النظر عن وجود خطة محلية أو وطنية!
قد تكون الأسْتذة رغبة في التعبير، في سوق سوري كبير، الكل يعلمك فيه كيف تكون: الصحافة والإدارة والتدريس والتخطيط! كذلك قد تكون الأسْتذة رغبة في الحكي والسوالف والتعاليل والكلام دون قيود، فلا تحمِّلوها أكثر مما تحتمل وازرعوها بذقننا!
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.