يتواصل الجدل والنقاش المحتدم حول ملف العدالة الانتقالية في سوريا، فلا يمر يوم من دون أن تُكتب حوله مقالات عديدة في الصحف والمواقع الإخبارية، إلى جانب تفاعل واسع عبر التدوينات والتغريدات على منصات التواصل الاجتماعي.
ولا شك في أن تبني العدالة الانتقالية في أعقاب سقوط الأنظمة الإجرامية يمثل ضرورة حتمية ليس فقط لمعاقبة الجناة وإنصاف الضحايا، بل لكونها ركيزة أساسية لضمان الاستقرار، وترسيخ السلم الأهلي، والحفاظ على التماسك المجتمعي، فضلاً عن بناء ثقة حقيقية بين المتضررين ومؤسسات الدولة الوليدة.
ومع ذلك، يبرز السؤال: هل تطبيق العدالة الانتقالية مسألة سهلة؟ وهل اتسمت تجاربها عبر العالم بالمثالية؟ وهل وفقت جميع الدول في اتخاذ مسار عدالة نموذجي يحاسب كل المجرمين مهما بلغت أعدادهم، ويُنصف جميع الضحايا ويجبر أضرارهم، بالتوازي مع تشييد وإعادة هيكلة مؤسسات راسخة تمنع تكرار المآسي والمقتلة؟
وقبل الخوض في تفاصيل الحالة السورية، يجدر التوقف عند التعريف الذي قدمه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي عنان، للعدالة الانتقالية، وهو التعريف الأكثر واقعية وقرباً لجوهر هذا المسار الذي استحدث كعلم يهدف لترسيخ الاستقرار بعد النزاعات الداخلية، حيث يعرّفها عنان بأنها: “محاولات يبذلها المجتمع لتفهم وتجاوز تركة الماضي الواسعة النطاق بغية كفالته للمساءلة وإحقاق العدل وتحقيق المصالحة”. إذاً هي محاولات غير مضمونة النتائج لتجاوز آثار الحرب ومآسيها، وبناءً على ذلك، فهي تمثل جهوداً مشتركة بين المجتمع والدولة لتخطي مآسي الحرب.
وبالتأكيد، لا يمكن التعامل مع هذا التعريف كقاعدة جامدة ومسلّم بها، إذ تمتلك كل دولة خصوصيتها وسياقها الاجتماعي والثقافي والسياسي، غير أن قراءة شاملة للتجارب الدولية توضح أن التطبيق لم يكن مثالياً في معظمها، خاصة فيما يتعلق بالمحاسبة الواسعة وجبر الضرر، بينما برز إصلاح المؤسسات كأهم سمة في تلك التجارب الناجحة.
وبالنظر إلى الواقع السوري، فإن التجربة المحلية لن تشكل استثناءً ولن تبدأ من الصفر، إذ إن المساءلة الشاملة لأكثر من مليون ونصف مليون إلى مليوني شخص انخرطوا في هياكل الجيش، والأمن، والشرطة، والمخابرات، والمليشيات (الشبيحة)، والمخبرين، تعد أمراً بالغ الصعوبة. ولا تقتصر هذه الصعوبة على تهيئة الظروف للمحاكمات أو القدرة على توقيفهم وسوقهم للقضاء، بل تكمن في الإرث والتبعات الاجتماعية والسياسية التي ستترتب على ذلك.
فاعتقال هذا العدد الضخم وزجهم في السجون يعود بالضرر على ملايين الأسر التي ستفقد معيلها، ما يفرز أزمة اجتماعية تعجز الدولة عن تحمل تكاليف إعالتها، ويترك الكثير من الأطفال تحت رحمة الشوارع وعرضة لمختلف أشكال الاستغلال، بالإضافة إلى مئات آلاف الأمهات اللواتي سيواجهن مشقة الإعالة وتأمين المعيشة ما قد يعني وضعهم تحت سيف عمليات الابتزاز الجنسي وغيرها، وحتى لو جرت تنحية مشاعر الرأفة والشفقة جانباً، فإن النظر إلى العواقب الاجتماعية على المدى البعيد سيكون أكثر كارثية.
ومن جهة أخرى، فإن فتح باب الاعتقالات الواسعة النطاق، سيدفع بمئات الآلاف ممن كانوا في صفوف الأسد المخلوع إلى الفرار والهجرة خارج البلاد، وهي معضلة ترفضها دول العالم، لا سيما أن الجزء الأكبر من الانفتاح الحالي على سوريا يركز على إعادة اللاجئين، ولن تقبل تلك الدول بموجات لجوء جديدة مهما كلّف الأمر، علاوة على التحديات الكبيرة المرتبطة بالتكلفة المالية الباهظة لتمويل جهاز القضاء والمحاكم.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يتوجب على المجتمع السوري والحكومة السورية على حد سواء العمل معاً لتحديد حلقات المحاسبة من أجل حماية مسار العدالة من الانحراف، إذ لا توجد حلول وسط في هذا الملف، فإما المضي نحو الاستقرار أو الفشل الذي يقود حتماً إلى حرب أهلية، وتضييق الدائرة لا يعني إعفاء المجرمين من العقاب، ولا يعني إهمال محاسبة من ساند النظام المخلوع ولو بالكلمة، فوسائل المساءلة متعددة وتختلف باختلاف القدرة على تحديد نوع الجرم وتصنيفه.
لذا، يجب التركيز بصرامة على من ثبت تورطهم الفعلي في القتل والإجرام، فهؤلاء لا يمكن تركهم من دون عقاب تحت أي ظرف، أما الفئة الأوسع، فينبغي أن تتدرج مستويات محاسبتها بما يتماشى مع الواقع المعقد والبيئة الاجتماعية، ولأن الأعراف السورية تقر بـ “الإبعاد والعزل” كحلول معتمدة في النزاعات المحلية، ولأن القانون السوري يستمد معظم أحكامه من العرف، فإن تطبيق سياسة العزل والإبعاد يعد ضرورة لحفظ السلم المجتمعي، وتفادياً لأي حدث قد يمتد كأثر الفراشة ويشعل خلافات لا تكاد تهدأ.
إن تشكيل لجان محلية تضم الأعيان والوجهاء في كل بلدة وقرية ومدينة، ومنحهم الصلاحيات اللازمة لاتخاذ قرارات العزل الاجتماعي وفقاً لتقديراتهم وتوافقاتهم العوائلية والعشائرية المشتركة، يشكل خياراً حيوياً لإنهاء الكثير من الأزمات، وعاملاً مساعداً لتخفيف الضغط عن المحاكم والقضاء، ولعل تجربة محاكم “الجاكاكا” في رواندا تمثل إحدى التجارب التي برهنت على نجاح نسبي في مسار بناء السلام.
إن التعامل مع ملف العدالة الانتقالية يشبه الجراحة الدقيقة التي لا تحتمل الخطأ، نظراً لحجم المظالم الكبيرة والجراح العميقة، وفشل مسارات الشفاء في دول عدة، وإلى جانب العزل الاجتماعي، يتعين على الدولة تفعيل آليات العزل السياسي والإداري داخل المؤسسات الرسمية، حيث يمثل خيار تشكيل لجان متخصصة لمراجعة ملفات الموظفين المتهمين حلاً أساسياً يسهم في تقديم توصيات عادلة ومنصفة، تقي من الظلم الناتج عن التقارير الكيدية والقرارات التعسفية.
ختاماً: إن الوعي العالي الذي أظهره المجتمع السوري قد برز كأحد أهم صانعي الاستقرار خلال تلك الفترة، لكن بالقدر نفسه يتحتم العمل على تضييق حلقة المطالب المفرطة والتركيز على القتلة ومرتكبي الانتهاكات، لأن ترك الأمور من دون ضوابط سيمكّن المجرمين الحقيقيين من النجاة عبر نشر الفوضى، وتضيع الحقوق في وسط التعميم الأعمى، وإن تبني أسلوب “الخصم والحكم” في ممارسة العنف بدافع الانتقام بعيداً عن سيادة القانون، سيفقد الدولة أحد ركائز وجودها وهو “احتكار العنف” ويقوض ثقة الآخرين في الدولة وسلطة القانون ويقود البلاد بأسرها نحو شريعة الغاب.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.