إعادة الإعمار في سوريا ستكلف أكثر من 200 مليار دولار؛ والقنابل لا تساعد في ذلك
في السادس من يوليو/تموز، أصبح إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، أول زعيم غربي بارز يزور سوريا منذ الإطاحة بديكتاتورية الأسد. وقد أحضر السيد ماكرون معه وفداً من الرؤساء التنفيذيين الفرنسيين. ولا بد أن مضيف السيد ماكرون، أحمد الشرع (المسلح السابق في تنظيم القاعدة الذي تحول إلى رجل دولة)، قد شعر بالابتهاج؛ فهو يسعى جاهداً لجلب الاستثمارات الأجنبية والاعتراف الدولي منذ توليه السلطة قبل 19 شهراً. لكن القنبلتين اللتين هزتا وسط دمشق في صباح اليوم التالي كانتا أقل ترحيباً بكثير؛ إذ شكلتا تذكيراً صارخاً بحدود التعافي في سوريا.
لا يوجد مكان تظهر فيه هذه الحدود بشكل أوضح مما هي عليه في حي جوبر، الضاحية التي كانت مزدهرة ذات يوم في شمال شرق دمشق. اليوم، يمتلئ الحي بالهياكل الخرسانية للمباني السكنية المنهوبة وأنقاض المساجد والمحلات التجارية. لا توجد هناك شبكة تغطية للهواتف المحمولة، كما لا توجد أي أدلة على إعادة بناء أي شيء.
منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، فإن إعادة الإعمار التي تم الترويج لها كثيراً لبلد دمرته الحرب الأهلية لم تتبلور بعد. ورغم أن سلسلة من الاتفاقيات مع شركات محلية وأجنبية ومؤتمر استثماري كبير في يونيو/حزيران قد حظيت بزخم إعلامي واسع، إلا أن الإحباط يتزايد على أرض الواقع؛ فالبيروقراطية واللوائح القديمة “المصممة للفساد” تخنق التقدم، على حد تعبير أحد رجال الأعمال المحليين. كما أن الفساد الإداري الصغير، والمشاحنات السياسية، والوعود المنكوثة تقوض التفاؤل.
تحتاج سوريا إلى إعادة بناء كل شيء: من المنازل والطرق والجسور، إلى البنية التحتية للطاقة والمياه وشبكة الاتصالات المتهالكة. وقد دُمر ثلث أصولها المادية. ويقدر البنك الدولي إجمالي تكاليف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وهو ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في عام 2024.
تعاني سوريا من ضائقة مالية شديدة. فالقيود الصارمة على السحب تعني أن عدداً قليلاً من السوريين مستعدون لإيداع مدخراتهم في البنوك المحلية. وبسبب افتقارها إلى رأس المال، عجزت البنوك عن تقديم القروض. واستمرت الليرة السورية، وهي عملة تدار بشكل سيئ، في الهبوط مقابل الدولار في الأشهر الأخيرة.
ومع ذلك، إذا كان السيد الشرع قد نجح في أي شيء، فهو الدبلوماسية وجذب اهتمام المستثمرين؛ حيث يعلن أن حكومته لا تريد إعادة بناء سوريا “عبر المساعدات والإعانات”، بل من خلال الاستثمار. وقد نجح في بناء علاقة غير متوقعة مع دونالد ترامب، الذي خفف من العقوبات الأمريكية. كما استفاد من الاهتمام المتزايد بين حكام الخليج بسوريا كمركز استراتيجي، لا سيما بعد خنق حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
يصل المستثمرون الخليجيون إلى دمشق على متن طائرات خاصة، وتُسير الخطوط الجوية التجارية الخليجية رحلاتها إلى هناك عدة مرات في اليوم. وقد أخذت قطر زمام المبادرة؛ حيث تمتلك شركة الإنشاءات (UCC) رافعات تعمل على قدم وساق على أرض الواقع. وتقوم الشركة بإعادة تطوير مطار تأمل في افتتاحه بنهاية الصيف، وتضخ مليارات الدولارات في محطات الطاقة السورية. كما استحوذ القطريون على بنك سوري، مما سيسهل عليهم نقل الأموال إلى داخل البلاد، ويخططون لتمويل مشروع إسكان ميسر ضخم في الأشهر المقبلة.
بدأ الإماراتيون أيضاً يتخلصون من حذرهم المبكر تجاه السيد الشرع. ففي مايو/أيار، قال محمد العبار، رئيس شركة “إعمار” (وهي شركة عقارية كبرى في الإمارات العربية المتحدة)، إنه يتطلع إلى مشاريع بقيمة 18 مليار دولار في سوريا. وقد توافدت الوفود الإماراتية على دمشق في الأشهر الأخيرة لمناقشة قطاعات النقل والتجارة والممرات اللوجستية. وتعهدت الشركات السعودية بأكثر من 5 مليارات دولار؛ حيث تبني شركة (STC)، وهي كبرى شركات الاتصالات لديها، شبكة ألياف ضوئية بطول 4,500 كيلومتر، ومراكز بيانات، ومحطات إنزال كابلات بحرية بقيمة 800 مليون دولار. وفي 30 يونيو/حزيران، منحت سوريا رخصة بقيمة 750 مليون دولار لشركة “زين”، وهي شركة اتصالات كويتية ترغب في نشر شبكات الجيل الخامس (5G).
كما بدأ السوريون أنفسهم في الانخراط في هذا الحراك. إذ يهدف هادي العابدين، وهو رائد أعمال سوري كندي في مجال التكنولوجيا، إلى بناء مركز بيانات. ويضغط سامر شمسي باشا، وهو مغترب عائد حديثاً من عائلة تجارية شهيرة، على الحكومة لإعادة تخصيص مطار عسكري مهجور في حمص للاستخدام المدني حتى يتمكن من إطلاق مدرسة للطيران.
حتى بعض الشركات الأمريكية بدأت تخطو بحذر؛ حيث أعلنت شركتا “فيزا” و”ماستركارد” عودتهما. ولن تستثمر شركات النفط الأمريكية بشكل مباشر، بل ستتحالف مع شركات إقليمية للتنقيب في حقول النفط السورية.
ويأمل بنك “جي بي مورغان تشيس” (JPMorgan Chase)، وهو بنك أمريكي، بالتعاون مع مقرضِين خليجيين اثنين، في ترتيب قرض بقيمة 7 مليارات دولار، بضمان بنك قطري مدعوم من الدولة، لتمويل مشاريع تديرها شركة (UCC).
بالنسبة لمعظم المستثمرين الغربيين، لا تزال ممارسة الأعمال التجارية في سوريا أمراً شاقاً. فالولايات المتحدة، من الناحية النظرية، أعلنت إنهاء عقوباتها هناك، لكن في الواقع، لا تزال هناك جملة من القيود تمنع الشركات الأمريكية الكبرى من الدخول بشكل جماعي. كما يشعر المستثمرون الأوروبيون والأمريكيون بالارتباك تجاه استراتيجية الحكومة؛ ففي مؤتمر عُقد مؤخراً في يونيو/حزيران، أعلن أحد الوزراء عن تبني اقتصاد السوق الحر، ليعلن وزير آخر بعده مباشرة عن الرغبة في “اقتصاد حر ومخطط”.
في غضون ذلك، يساور السوريين القلق من أن السيد الشرع كان مشغولاً للغاية بالدبلوماسية والمستثمرين لدرجة جعلته يتجاهل مشاكل أخرى؛ إذ يشعر الكثيرون بالخيبة لأنه لم يفعل المزيد لملاحقة جرائم نظام الأسد. ففي الشهر الماضي، سارت حشود نحو منازل ضباط النظام السابق، مما أدى إلى مقتل بعضهم. إن المؤتمرات الاستثمارية والزيارات الرئاسية أمر مرحب به، ولكن هناك مواطناً سورياً واحداً من بين كل أربعة يعيش في فقر مدقع؛ وهؤلاء سيحكمون على السيد الشرع عندما يتم إعادة إعمار أماكن مثل حي جوبر.




Comments are closed for this post.