تجارة المخدرات في الشرق الأوسط تتجه نحو اللامركزية

من بين الجرائم العديدة التي ارتكبها بشار الأسد كديكتاتور لسوريا، كان تحويل بلاده إلى “دولة مخدرات” (Narco-state). فقد أصبح الكبتاغون —وهو أحد أنواع الأمفيتامينات— الصادرات الأكبر لسوريا. وكان جيران الأسد يستاؤون من دوره كـ “رئيس عصابة لترويج المخدرات”. ومما أراح هؤلاء الجيران، يبدو أن أحمد الشرع، رئيس سوريا الجديد، حرصٌ على كبح تدفق الكبتاغون في المنطقة. ولكن نتيجة لذلك، بدأت هذه التجارة تصبح أكثر لامركزية.

تطوّر مخدر الكبتاغون، المعروف أيضاً باسم “فنيثيلين”، في ستينيات القرن الماضي لعلاج فرط الحركة لدى الأطفال ومرض النوم القهري (النوم المفاجئ). وفي عام 1986، حُظر دولياً بسبب طبيعته المسببة للإدمان. واليوم، يستخدمه العمال الفقراء ليعينهم على تحمّل نوبات العمل الطويلة، ويلجأ إليه البعض لقمع الجوع، بينما يتعاطاه الجنود المصابون بصدمات نفسية كنوع من العلاج الذاتي، في حين تستخدمه نخبة المجتمع في الخليج كمخدر للحفلات والمناسبات الاجتماعية.

إنها تجارة مربحة للغاية؛ إذ لا تكلف الحبة الواحدة سوى سنتات قليلة لإنتاجها، لكنها قد تُباع بمبلغ يصل إلى 25 دولاراً في المملكة العربية السعودية. وقد تصل قيمة التجارة العالمية بهذا المخدر إلى 10 مليارات دولار. ووفقاً للأمم المتحدة، فإن ما يصل إلى 80% من الضبطيات العالمية بين عامي 2019 و2025 كان مصدرها سوريا.

وفي إطار مساعيه لكسب الشرعية الدولية وإقناع الأطراف الخارجية بالإفراج عن أموال إعادة الإعمار، شنّ السيد الشرع حملة صارمة ضد هذه التجارة. ففي العام الأول من حكمه، ضبطت قواته أكثر من 500 مليون حبة وفككت 16 مختبراً صناعياً. وفي يونيو/حزيران من العام الماضي، أعلن وزير الداخلية، أنس خطاب، أن الكبتاغون لم يعد يُنتج في سوريا.

إلا أنه تحدث قبل الأوان؛ فخلال العام الماضي، ضبطت السلطات السورية أكثر من 80 مليون حبة. بعضها عبارة عن مخزونات متبقية من عهد الأسد، ولكن يجري أيضاً بناء منشآت إنتاج جديدة. ويقع معظمها في السويداء، وهي محافظة جنوبية تهيمن عليها فصائل درزية اشتبكت مع القوات الحكومية. وقد فرّت إلى هناك بقايا “الفرقة الرابعة مدرعة” —وهي وحدة نخبة في الجيش كان يقودها شقيق الأسد وأشرفت على مختبرات الدولة— وبدأت في تصنيع الحبوب مجدداً. وأفادت منصة “السويداء 24″، وهي منفذ إخباري محلي، بأن هناك ما بين 12 إلى 15 مختبراً تعمل في المحافظة.

يُهرّب جزء كبير مما يُنتج في السويداء إلى الأردن، وهو الطريق البري الوحيد المؤدي إلى الأسواق في الخليج. وتشترك سوريا والأردن في حدود صحراوية تمتد لأكثر من 360 كيلومتراً، وتضم شبكة من طرق التجارة القبلية. وقد تضاعفت عمليات إحباط التهريب على طول الحدود بمقدار أربعة أضعاف تقريباً منذ أن تولى “الحرس الوطني” بقيادة الدروز السيطرة على المحافظة في يوليو/تموز من العام الماضي. وفي يناير/كانون الثاني، أنشأ الأردن وسوريا لجنة أمنية مشتركة لمكافحة تجارة المخدرات والأسلحة، كما نشرا المزيد من القوات على الحدود. وفي مايو/أيار، نفّذ الأردن الجولة الخامسة من ضرباته الجوية على منشآت الإنتاج في السويداء، وذكر مسؤولون أن هذه الضربات تمت بالتنسيق مع السلطات السورية. من جانبهم، يتكيف المهربون عبر استخدام مناطيد موجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ومحملة بالحبوب، والتي تقوم القوات الأردنية بإسقاطها بمباركة وتأييد من السيد الشرع.

وفي الوقت ذاته، يتسع نطاق الإنتاج؛ فحزب الله، الفصيل المدعوم من إيران في لبنان، بدأ في تصنيع الكبتاغون عام 2006 لإنعاش خزائنه بعد حربه مع إسرائيل التي استنزفت موارده المالية، وعاد الآن ليلجأ إلى تجارة المخدرات مرة أخرى. ووفقاً للمحلل تشارلز ليستر، فإن ربع كميات الكبتاغون التي ضبطتها السلطات السورية في الأشهر الستة الماضية جاءت من لبنان. وخلال العام الماضي، داهمت السلطات اللبنانية ثلاثة مختبرات في بعلبك قرب الحدود السورية، وضبطت مهربين يحاولون نقل معدات إنتاج إلى وادي البقاع، وهو معقل لحزب الله. وقبل عام، أغلقت عملية عراقية-لبنانية مشتركة مختبراً للكبتاغون في الوادي، وُصف بأنه أحد أكبر المختبرات في المنطقة.

كما عُثر على مختبرات في الكويت ومصر. وفي فبراير/شباط من العام الماضي، ضُبط مصنع ينتج حوالي 100 ألف حبة في الساعة في السودان، وذلك في منطقة كانت تسيطر عليها سابقاً “قوات الدعم السريع” (وهي جماعة شبه عسكرية). وفي يونيو/حزيران الماضي، ضبطت السلطات اليمنية 1.5 مليون حبة كبتاغون كانت تُنقل من صنعاء الواقعة تحت سيطرة المتمردين الحوثيين متجهة إلى المملكة العربية السعودية. وفي مايو/أيار من هذا العام، داهمت السلطات الهندية شبكة إنتاج تمتد عبر البلاد، وهي الأولى من نوعها في جنوب آسيا.
يمكن أن يؤدي الكبتاغون إلى تلف في القلب والدماغ، ورغم ذلك لا يزال الشرق الأوسط مستهلكاً شرهاً له.

وتتسبب الاضطرابات في الإمدادات في رفع أسعار البيع في الشوارع، مما يدفع المتعاطين إلى التحول نحو “الكريستال ميث” (الميثامفيتامين الكريستالي)، وهو منشط أكثر تدميراً. ويبدو أن نهم المنطقة للمنشطات الاصطناعية الرخيصة لا يظهر أي علامات على التراجع.