أقلّ ما يؤمل به من لقاء الرئيسين الأميركي واللبناني أن يتمكّنا من إقناعٍ مشترك للبنانيين ولغيرهم بأن “الاتفاق الإطاري” التزام مؤكّد وليس مجرد استعراض سياسي بلا معنى. فالمهم هو التنفيذ بناءً على مقتضيات القانون الدولي الذي لا يجيز أي احتلال بالقوّة، وليس وفقاً لالتباسات الصياغة الخبيثة لـ “الاتفاق”، إذ راعى حجج المحتل الإسرائيلي أكثر مما احترم الحقوق الأساسية للدولة والشعب اللبنانيين.
لم تخطئ الدولة بقبول ذلك “الاتفاق”، ولو على مضض، ولا في العمل لتحسين شروطه خلال تطبيق “المناطق التجريبية”. فهو وثيقة تعترف بها صاحبة الشرعية والقرار، ومطلوب منها أكثر مما برهنت حتى الآن. أما الخيار الآخر الذي أراده “حزب إيران/ حزب الله” فلا يخفي تهميشه للدولة بل يشهره، حتى أن طهران لم تقرّر بعد سحب “السفير غير المرغوب فيه” وتبقيه متخفّياً أسوة ببقية عناصر “الحرس الثوري” المنتشرين في مهمة تخريبية.
ترفض أبواق “الحزب” كلّ مخرجات الرعاية الأميركية، تشكّك مسبقاً بمؤدّاها ونتائجها، وتقابلها بالشتم والتخوين، من دون أن تعترف في السياق بأن أخطاء “الحزب” تسبّبت بالنزوح الكبير وعودة الاحتلال وتجريف عشرات القرى. ثم أنها تدّعي المنطق السليم وتضع الدولة على المحك باشتراط “تثبيت وقف اطلاق النار” و”ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة”… كما لو أنها اكتشفت بـ”خبرتها التفاوضية” (في ترسيم الحدود البحرية) ما لم تدركه الدولة بسبب “نقص الخبرة” لدى مفاوضيها (؟). لم يعد خافياً أن خرق الهدن والتلاعب بالانسحاب هما من أدوات التلاعب الإسرائيلي- الإيراني بلبنان.
لدى الرئيس جوزف عون مطالب لبنانية كثيرة من الرئيس دونالد ترامب، لكن استجابات المضيف تتوقف على توقّعاته وعلى نجاح الضيف في كسب ثقته. سيطالب الطرفان بجداول زمنية، اللبناني للانسحاب الإسرائيلي، والأميركي في ما يخصّ “الحزب” وسلاحه. لا بد أن تكون لدى الرئيس عون أفكار جديدة يمكن أن تفضي الى نتائج، سواء في التعامل مع مسألة السلاح غير الشرعي، أو في فصل لبنان عن إيران من دون الذهاب الى “تطبيع” مع إسرائيل. فهذا الفصل أصبح استحقاقاً وطنياً منذ انتخابه رئيساً ثم اختيار نواف سلام رئيساً للحكومة، وقبل أن تفصح واشنطن عن سعيها إليه.
من شأن لبنان أن يسأل عما يقصده ترامب في دعواته المتكررة الى الرئيس السوري أحمد الشرع للتدخل في لبنان و”معالجة” مشكلة “حزب إيران”، وما مدى نضجها، وهل يمكن أن تلبيها دمشق بتنسيق أو من دونه مع الجيش اللبناني، وهل توافق الدولة والجيش على تدخل خارجي لن يعني سوى عجزهما عن حل مشكلة يُفترض أنها “داخلية”. لم تتحمّس دمشق للتدخّل، ومن الطبيعي أن يرفضه الجانب اللبناني خشية تداعياته الداخلية، لكن في المقابل إذا لم يكن قادراً ولا يريد مساعدة أحد فكيف سينجز المهمة، وهل لديه بدائل إزاء تعنّت إيران و”حزبها”؟
لم يتحوّل طلب ترامب التدخّل السوري بعد الى “صفقة” مغرية ومتكاملة، فالشرع لم يرَ حتى الآن أي مكاسب من الانخراط في لبنان، فعدا إزالة اسم سوريا من لائحة الدول الداعمة للإرهاب لا بدّ أن يتوقع التزاماً أميركياً بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في جنوب سوريا. هذا يعيد ترامب الى صداعه مع حليف إسرائيلي اقتاده الى حرب بلا نهاية مع إيران، وبات مصدر كل المشاكل في الشرق الأوسط ولا يريد لها أي حلول.
النهار العربي




Comments are closed for this post.