تتزايد في فرنسا في العقدين الأخيرين انتفاضاتٌ وتحرّكات تعبّر عن غضب متنامٍ من الظروف المعيشية لشرائح مختلفة، يعرّضها تراجع الموازنات الحكومية المخصّصة لضواحي المدن الشعبية للمزيد من التهميش، ويُفقرها كما يفقر طبقات عمّالية تزايدُ المديونية وخدمتها على حساب الانفاق الصحي والتعليمي والإسكاني، وعلى حساب حماية قطاعات إنتاجية كانت تخلق تاريخياً فرص عمل وضمانات، ولو بالحدّ الأدنى، للمنخرطين فيها.
وقد ساهمت الأزمة المالية العالمية العام 2009 وعمليات نقل مصانع كبرى ومتوسّطة من فرنسا إلى دول أوروبا الشرقية إضافة إلى المنافسة الصينية، رغم محاولات قوننتها، في تدهور أحوال عشرات ألوف العمال الصناعيين ثم تسريح الآلاف منهم (خاصة في صناعات السيارات والنسيج والإلكترونيات). ولحق بالتدهور المذكور في العقد الأخير الريفُ الفرنسي ومزارعوه، الذين تراجعت مداخيلهم بعد تقدّم منتجات أوروبية رخيصة على منتجاتهم، تتيح دخولَها اتفاقاتُ التعاون القاريّ، إضافة إلى فرض مراكز البيع والتوزيع الكبرى ووسطاء التسويق شروطاً تبقيهم بالحدّ الأدنى الممكن لاستمرار عملهم.
ترافق كل ذلك مع تبدّلات عميقة أصابت عملية توزيع الثروة، نتيجة ما سمّي بالرزمة المالية التي افتتح الرئيس الأكثر يمينية في تاريخ فرنسا، نيكولا ساركوزي، عهده بها العام 2007. وهدفت الرزمة تلك، بزعم معتمديها، إلى تحفيز الاقتصاد، عبر خفض الضرائب على رؤوس الأموال والملكيات العقارية وتسهيل توارثها وتخفيض الرسوم على معاملات تأسيس الشركات، لجذب مستثمرين أو رجال أعمال يطلقون مشاريع توفّر فرص عمل جديدة. لكن الأمور لم تجر على هذا النحو أبداً. فقد أدّت الرزمة إلى حرمان الدولة من مداخيل كبرى كانت تأتي من الأكثر ثراءً في فرنسا. ولم يعوّض الأمر فعلياً أي نشاط اقتصادي مضاف، ما أدى إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي بحجة العجز أو بحجّة مكافحة الهدر والغشّ، الذي استهدفت اتّهاماته المهاجرين من أفريقيا وشمالها في مزايدات يومها على مقولات اليمين المتطرّف الغوغائية والبعيدة كل البعد عن أي علم اقتصادي. كما جرى إقفال مؤسسات كانت تلبّي وظائف الوساطة بين الدولة وسكّان الأحياء حيث معدّلات البطالة والفقر الأعلى (مثل “شرطة المَقرُبة” التي سُرّحت أو مكاتب الاتصال الاجتماعي التي تلاشى تمويلها). أدّى هذا إلى توتّرات اجتماعية دورية وإلى تراكم أكثر تركّزاً في الثروات وإلى اتسّاع غير مسبوق في الهوّة الطبقية. وأدّى أيضاً – معطوفاً على تبعات الأزمة العالمية – إلى ارتفاع البطالة من 7 ونصف في المئة العام 2008 إلى قرابة الـ10 في المئة العام 2012. كما ارتفعت مديونية الدولة الفرنسية من نسبة 64 في المئة مقارنة بالناتج المحلي إلى نسبة 90 في المئة في نهاية عهد ساركوزي العام 2012.
وعلى الرغم من بعض التعديلات في وجهة الانفاق التي أجراها الرئيس فرنسوا هولاند للجم المديونية وتقليص البطالة، فإنه لم ينجح بسبب استمراره في سياسات الإعفاء والتخفيض الضريبي بذريعة الخشية من خروج الرساميل. ومع انتهاء عهده العام 2017 كانت المديونية قد بلغت الـ99 في المئة من الناتج المحليّ، في حين استقرّت البطالة على نفس معدّل الـ10 في المئة، مع تدهور في القوة الشرائية لأكثرية الفرنسيين.
عهد ماكرون والانقطاع عن المجتمع
شهد عهد إيمانويل ماكرون بولايتيه، ابتداءً من العام 2017، تبدّلات سياسية عميقة في فرنسا. فالرجل لم يكن سياسياً بمعنى الحرفة، بل كان مصرفياً ثم مستشاراً في فريق عمل هولاند (الذي وزّره لاحقاً). وأسّس حزباً ادّعى وسطية وجذب إليه كوادر شابة من الحزب الاشتراكي ومن الحزب الجمهوري اليميني. كما جذب إليه خبراء ورجال أعمال من المرتبطين في ثقافتهم الاقتصادية بالأوربة والعولمة، وبمفهوم الـ”ستارت آب”. وأحاط نفسه بسياسيين مغمورين، متحدّرين من أسر شديدة الثراء. وبدا أن الرجل الذي لا يعرف الحياة الفرنسية في قاعها الاقتصادي-الاجتماعي، أو حتى في أريافها ومدنها الصغرى والمتوسّطة وضواحي مدنها الكبرى لغياب أي تراث تجارب حكم بلديات في محيطه (على العكس من اليسار واليمين التقليديّين اللذين حكما البلديات منذ الحرب العالمية الثانية)، بدا أنه مقتنعٌ بقدرته على تنفيذ ما يشاء من سياسات. ساعده في ذلك تركّز المعارضة له في صفوف اليمين المتطرّف من ناحية – وهذا ما أمّن فوزه في ولايته الثانية – وفي صفوف اليسار الراديكالي من ناحية ثانية، وهو اليسار الحديث النشأة الحزبية ولَو أن فيه قدامى اشتراكيين وشيوعيين، عنينا “فرنسا الأبية”.
وعرفت سنوات ماكرون فشلاً اقتصادياً ذريعاً رغم تراجع البطالة إلى 8 ونصف في المئة، بفضل شروط عمل أقلّ حماية للمستخدمين (مستوحاة من التجربة الميركلية في ألمانيا). وارتفعت المديونية في سبع سنوات إلى نسبة 120 في المئة مقابل الناتج المحلي. وبانت جلية تبعات السياسات الساركوزية التي استمرّ ماكرون بالعمل بها. وجاءت الأزمة الناجمة عن كوفيد لتعقّد الأمور وتقلّص فرص النموّ وتزيد من اتّساع الفقر بسبب بطالة المياومين وإفلاس الشركات والمؤسسات الخاصة الصغرى وتراجع موارد القطاع السياحي بمختلف مستوياته. وهذا كلّه كلّف الحكومة بالطبع مبالغ ضخمة للتعويض الجزئي على المتضرّرين. لكن إصرارها على الاستمرار في سياسات التخفيض الضريبي إياها رغم تزايد إنفاقها وتوسّع ثروات الأغنياء (الريعية تحديداً) وعدم إلزامهم بأي مساهمة في تحمّل نتائج التردّي الاقتصادي العام أدّى إلى تزايد العجز والمديونية، ودفع ماكرون إلى البحث عن موارد للخزينة لا تمسّ الأغنياء خوفاً من “فرار أرصدتهم المصرفية واستثماراتهم” كما قيل. والأمر لا يوجد ما يُثبته في أي تجربة، خاصة أن تبديل عنوان الإقامة وموضع الإيداعات يبدّل في أحيانٍ كثيرة من القدرة على الدخول الحرّ لبعض السلع إلى أسواقٍ سعتها الاستهلاكية والأرباح فيها أكبر ممّا يمكن أن يُدفع ضريبياً في حال البقاء فيها. وقد بيّنت دراسات منظمات مختصة في التمويل أن إضافة 2 في المئة من الضرائب على أقل من 1 في المئة من الأكثر ثراءً في فرنسا يكفي سنوياً لتمويل جزء أساسي من العجز في الموازنات.
لم “يقتنع” ماكرون بالأمر، وليست صلاته الوثيقة برجال الأعمال بمعزل عن “عدم الاقتناع” هذا. فاستمرّ في البحث عن موارد بديلة، بدأت برفع الضريبة على المحروقات، لا سيّما الديزل، ثم بوضع سياسة تقاعد جديدة تمسّ مكتسبات المسُتخدمين وسلّم تعويضات نهاية خدماتهم. وجرى اعتماد رفع سنّ التقاعد وفق ادّعاء تقدّم أمد الحياة (معدّلات العيش الطويل) في البلاد. والادّعاء كاذب إذ أن هذه المعدّلات لم تتبدّل في فرنسا ودول الغرب منذ نهاية التسعينات، لا بل هي شهدت تراجعاً طفيفاً في بعض البلدان كما في عدد من الولايات الأميركية مثلاً. وفي هكذا إجراء ما يفرض في أي حال ظروف عمل أصعب على المتقدّمين في السن ويؤجّل إدخال وافدين جدد إلى سوق العمل لتأخّر تقاعد من سبقهم.
العنصرية والإعلام والفضائح الموازية
بموازاة هذه الإجراءات وما تبعها من وصول للفقر العام 2025 إلى عتبة الـ12 في المئة من السكان، وبموازاة الخطاب الفوقي الذي استهلّه ساركوزي المتشبّه بالثاتشرية الإنكليزية، وبموازاة تراجع اليسارَين الاشتراكي والشيوعي وخروج مكوّنات منهما نحو الوسط الماكروني واليسار الراديكالي، تقدّمت قوى اليمين المتطرّف بخطابها التبسيطي والديماغوجي المحمّل المهاجرين مسؤولية التردّي الاقتصادي، مع تركيز خاص على الإسلام. وهو تركيز لاقى تغطية إعلامية مرئية واسعة نزعت عنه التجريم العنصري الذي وسمه في الثمانينات والتسعينات ومطلع الألفية الثانية لسببين. الأول أنه ترافق مع ظهور “داعش” في العراق ثم سوريا العام 2013 وسفر مئات الفرنسيين للقتال معه أو مع “القاعدة”، في نفس وقت وصول أكثر من مليون لاجئ سوري وعراقي وأفغاني إلى أوروبا. والأخطر طبعاً هو وقوع الهجمات الإجرامية في باريس ونيس بين العامين 2014 و2016. والسبب الثاني، هو ملكية وسائل الإعلام المرئي الخاصة الأكثر تأثيراً: سي-نيوز وب.ف.م وأل.سي.إي. الأولى تعود إلى الملياردير فنسان بولوريه، الذي يردّد أنه في “حرب صليبية” لمنع “أسلملة فرنسا”. والثانية كانت لغاية العام 2024 تابعة لرجل الأعمال الإسرائيلي باتريك دراحي قبل أن يشتريها الملياردير الفرنسي-اللبناني رودلف سعادة، المقرّب من ماكرون. أما الثالثة فتعود للملياردير مارتن بويغ صاحب واحدة من أكبر الإمبراطوريات الاقتصادية العائلية. وهو بدوره قريب من اليمين. هكذا، تحوّل الإعلام المرئي منذ أكثر من عشر سنوات إلى إعلام شعبوي يحرّض بعضه على العنصرية ويجاري البعض الآخر الأمر عبر برامج حوارية صاخبة لجذب الجمهور والتركيز على الأحداث الأمنية المتفرّقة في مناطق يسكنها المتحدّرون من الهجرات الأفريقية والمغاربية، واسمين إياها “بالخارجة عن القانون”.
وإذ نجحوا في ربط القضايا الأمنية بالهجرة عبر التركيز على هويّات المجرمين إن كانوا من أصول مهاجرة أو أجانب، فإنهم فشلوا في إظهار المهاجرين كمسؤولين عن التأزّم الاقتصادي وطنياً. ذلك أن الفضائح المالية في عددها غير المسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية، التي كشفت عنها الصحافة الاستقصائية المضادة لوسائل الإعلام المرئي المذكورة، طالت أبرز شخصيات اليمين الفرنسي واليمين المتطرّف (مع بعض الحالات الماكرونية والاشتراكية). وشهدت السنوات الأخيرة محاكمات وإدانات لمسؤولين سابقين، أوّلهم ساركوزي بتهم الاختلاس والرشوة وتلقّي تمويل ليبي (من القذافي)، وثانيهم رئيس وزرائه فرنسوا فيّون بتهم الاحتيال والاستفادة غير المشروعة من الوظيفة العامة، إضافة إلى أكثر من مئة من الوزراء والنواب السابقين والحاليين والمُنتخبين المحليين، من بينهم زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوبن وعدد من كوادر حزبها المحكومين بجرم الاستيلاء على أموال أوروبية عبر وظائف وهمية استُخدمت لتمويل ماكيناتهم الانتخابية. كما أظهرت الاستقصاءات تزويراً وتهرّباً ضريبياً تورّط فيه رجال أعمال وفنانون وسياسيون، بعضهم من أكثر المهاجمين للفساد والهدر في الخدمات الاجتماعية…
الانتفاضات وعنف الشرطة
واجهت الشرائح الشعبية والنقابات والتيارات اليسارية الراديكالية سياسات ساركوزي بسلسلة تظاهرات وإضرابات شلّت فرنسا في أكثر من مناسبة. كما واجهت الشرائح نفسها هولاند في آخر ولايته بعد تقديم حكومته اقتراح قانون يمنح أصحاب العمل تسهيلات تقلّص الضمانات الاجتماعية لمستخدميهم. وبدا في تلك المواجهات أن الشرطة تجنح تدريجياً نحو عنف متصاعد، خاصة في الأحياء الشعبية.
أما في عهد ماكرون، فقد تسبّب الانفجار الاجتماعي الكبير، ابتداءً من العام 2018، مع مظاهرات السترات الصفراء، ثم إضرابات المزارعين ومسيراتهم، وصولاً إلى تحرّكات الجسم الطبي الذي عانى من آثار تراجع دعم المستشفيات الحكومية خلال كوفيد العامين 2020 و2021 (وأكثر من ربع عاملي وعاملات الجسم الطبي من الفرنسيين المتحدّرين من الهجرة أو من المهاجرين)، تسبّب إذاً بصدامات مع الشرطة التي استخدمت أسلحة (ضد السترات الصفراء تحديداً) محظورة في معظم دول أوروبا الغربية.
نفس الأمر جرى في المظاهرات النقابية والمهنية والتعليمية بعد العام 2022، ومثله خلال المظاهرات الضخمة التي استمرّت لأشهر ضد قانون التقاعد المقترح، ثم خلال التظاهر من أجل فلسطين بعد بدء الإبادة الإسرائيلية العام 2023.
في نفس الوقت، انتشرت في مناسبات كثيرة صور وفيديوهات توثّق لعنف الشرطة في عملها الروتيني حين يكون المعنيون بتوقيفاتها سود البشرة أو من أصول جزائرية. واستُخدمت ألفاظ من قبل سياسيين وإعلاميين وصفت هؤلاء بالحثالة، حتى عند مقتل بعضهم برصاص حيّ، بيّنت التحقيقات أكثر من مرة عدم جوازه. أدّى ذلك طبعاً إلى تظاهرات وغضب واشتباكات مع الشرطة أوقعت جرحى (فقد بعضهم أعيناً أو أيادي) وإلى تكسير محال وإحراق سيارات ركّز الإعلام حصراً عليها، في عالم تبثّ فيه الاقنية نشراتها 24 ساعة على 24. وقد دافع جميع سياسيي اليمين واليمين المتطرّف عن الشرطة، بما منحها حصانة لممارسة عنف أشدّ في كل موجة احتجاج جديدة.
انتفاضة الطلاب الحالية والتقاطعات السياسية
يوصلنا ما ورد إلى انتفاضة الطلاب الحالية، الأوسع انتشاراً جغرافياً منذ أيار/مايو 1968. ومطالبها واضحة وترتبط بمعالجة التردّي في المباني والمرافق الصحية والمطابخ في ثانويات الضواحي والأحياء الفقيرة، وبملء الشواغر وتعيين أساتذة جدد، وبتعديل مسار “التصفية” للدخول إلى الجامعات الذي يستفيد منه طلاّب الثانويات الخاصة المرموقة أو ثانويات الأحياء المدينية الميسورة. ولأن الانتفاضة انطلقت من سان دني وكرتيّ أكبر ضواحي باريس، فإن الشرطة استسهلت الحلّ الأمني فيهما، مما فجّر غضباً في جميع الثانويات تكراراً للمطالب أو تضامناً مع الطلاب المعنّفين. وانضمّت إلى التحرّكات الطلابية نقاباتٌ وقوى يسارية، في طليعتها “فرنسا الأبية” استكمالاً للمواجهة مع الماكرونية، ورفضاً لعدوانية الشرطة التي تسبّبت بجرح المئات واعتقال الآلاف (أفرج عن أكثريتهم الساحقة لاحقاً).
ويفيد القول هنا إن الدراسات الانتخابية تُجمع على أن أكثر من 55 في المئة من عديد الشرطة الفرنسية يصوّتون منذ ثماني سنوات لليمين المتطرّف، وأن عنفهم في الضواحي يحاكي عنف آبائهم الكولونيالي في المستعمرات الفرنسية في أفريقيا (وفي الجزائر تحديداً)، خاصة في ظلّ وصف هذه الضواحي بأنها مُحتلة من قبل “المسلمين” ويجب استعادتها.
الأرجح أن فرنسا تتّجه اليوم إلى المزيد من الاحتجاجات والعنف في ما تبقّى من ولاية ماكرون الثانية. ومن شبه المؤكّد أن كلّ هذا سيتعاظم إن فازت مرشّحة اليمين المتطرّف مارين لوبن، المحكومة بتهم الفساد والاحتيال، برئاسة البلاد في أيار/مايو المقبل.
القدس العربي




Comments are closed for this post.