في سوريا، قد تبدأ الشائعة بمنشور مجهول، وتتحول خلال دقائق إلى خبر يتداوله الآلاف، وقد تخرج صورة من سياقها فتشعل سجالاً، أو يتحول تعليق على وسائل التواصل إلى خطاب كراهية يزيد الانقسام بين الناس. هنا تبرز أهمية محو الأمية الإعلامية، بوصفه مهارة يومية تساعد السوريين على فهم ما يصل إليهم، والتحقق من مصادره، والتمييز بين الحقيقة والتضليل.

ومع إحياء الأسبوع العالمي لمحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية، الذي تنظمه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» خلال الفترة من 24 إلى 31 تشرين الأول، تحت شعار «كلنا نلعب دوراً»، تزداد الحاجة في سوريا إلى ترسيخ ثقافة التحقق، خاصة مع استمرار آثار الحرب والتحولات السياسية والاجتماعية، واتساع تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام.

وتشير بيانات دراسة أجرتها اليونسكو وشملت 194 دولة إلى أن 43 بالمئة من الدول أدرجت عناصر محو الأمية الإعلامية في مناهجها التعليمية، فيما ركزت 29 بالمئة على المهارات الرقمية التقنية، وتجاهلت 22 بالمئة هذا المفهوم. كما اعتمدت 17 دولة فقط سياسة مستقلة لمحو الأمية الإعلامية، وفق الأرقام الواردة في الدراسة.

وفي هذا السياق، التقت «الثورة السورية» الإعلامي أكرم الأحمد، مدير المركز الصحفي السوري، والمدرب الدولي في الإعلام والحوكمة، للحديث عن واقع التضليل وخطاب الكراهية في سوريا، وسبل تعزيز الوعي الإعلامي لدى الأفراد والمؤسسات.

الوعي يبدأ من سؤال بسيط
يرى الأحمد أن محو الأمية الإعلامية يعني قدرة الإنسان على اتخاذ قرار واعٍ بشأن ما يشاهده أو يقرؤه أو ينشره، وفهم أساليب التضليل والشائعات وخطاب الكراهية، والتعامل معها بمسؤولية.

ويبدأ هذا الوعي من أسئلة بسيطة، مثل مصدر الخبر، والدليل الذي يستند إليه، والجهة التي تقف خلفه، والهدف من نشره. كما يتطلب التمييز بين المحتوى الإعلامي والإعلان، والانتباه إلى المواد المدفوعة التي تحمل أهدافاً مالية أو سياسية.

ويشير الأحمد إلى أن كثيراً من السوريين يسألون عن مصادر الأخبار، ويميلون إلى الثقة بأقاربهم ومعارفهم، وهي سمة قد تساعد في تداول المعلومات داخل المجتمع، مع ضرورة التحقق من صحة ما يصل عبر الدوائر القريبة. فإعادة نشر معلومة غير مؤكدة قد تجعل المستخدم شريكاً في انتشار التضليل من دون قصد.

التحوّلات السورية وخطاب الكراهية
أفرزت التحولات السياسية التي شهدتها سوريا حالة من الاهتمام المتزايد بما ينشر على المنصات الرقمية، بحسب الأحمد، الذي يلاحظ ظهور أصوات باتت تميز بين الحدث وطريقة عرضه، وتنتبه إلى أثر الكلمات والصور في المجتمع.

ويأخذ التضليل أشكالاً متعددة، من بينها تزييف المعلومات، واجتزاء التصريحات، وإخراج الصور والفيديوهات من سياقها. أما خطاب الكراهية، فيظهر من خلال التحريض والعنصرية والطائفية والتنميط والتحقير، وقد يتخذ شكل اتهامات جماعية تزيد التوتر بين مكونات المجتمع.

ويشير الأحمد إلى تحسن في أداء الإعلام الرسمي، مع توجه نحو خدمة الجمهور وتعزيز الفصل بين الاتصال الحكومي والعمل الإعلامي. كما يرى أن مساحة الأصوات المعتدلة بدأت تتسع على المنصات، بالتزامن مع تراجع بعض أشكال الخطاب المتشدد، مع استمرار الحاجة إلى جهود أكبر للحد من الكراهية والانقسام.

وتزداد أهمية هذه الجهود خلال المرحلة الانتقالية، إذ تبقى المجتمعات الخارجة من سنوات الصراع أكثر حساسية تجاه الأخبار التي تمس هويتها وأمنها واستقرارها. ومن هنا، يرتبط الوعي الإعلامي بقدرة السوريين على حماية علاقاتهم الاجتماعية، وتعزيز الثقة بينهم، والمشاركة في بناء مجتمع متماسك.

مدونة السلوك تحتاج إلى تطبيق
وعلى مستوى المؤسسات، يتوقف الأحمد عند مدونة السلوك الخاصة بالإعلاميين التي أعدتها وزارة الإعلام، وشارك في صياغتها، معتبراً أنها خطوة أولى لتعزيز المسؤولية المهنية والحد من خطاب الكراهية.

وتتوقف أهمية المدونة، بحسب الأحمد، على آليات تطبيقها داخل المؤسسات الإعلامية، من خلال المتابعة والتقييم والمساءلة، وتحويل المبادئ الواردة فيها إلى ممارسات يومية داخل غرف الأخبار.

ويشمل ذلك وضع قواعد واضحة للتحقق من المعلومات، ومراجعة المحتوى قبل نشره عند وجود شكوك، وتصحيح الأخطاء والإعلان عنها بشفافية. كما يتطلب توفير بيئة عمل تساعد الصحفي على الوصول إلى المعلومات ومراجعة المصادر، خاصة أن الخوف من تداول المعلومات وضعف الشفافية يشكلان تحدياً أمام العمل المهني.

ويؤكد الأحمد أن التدريب الإعلامي يحتاج إلى إجراءات عملية تضمن الاستفادة منه، مثل توثيق المصادر الأصلية، وفحص الادعاءات الحساسة، وتحديد مراحل المراجعة، وتوزيع المسؤوليات داخل غرف الأخبار.

ويواجه الصحفي السوري ضغوطاً مهنية واقتصادية وأمنية، إلى جانب سباق السرعة والمشاهدات على المنصات. لذلك، تبرز أهمية ترسيخ الدقة بوصفها أساساً للعمل الصحفي، مع تطوير أساليب النشر التي تساعد على الوصول إلى الجمهور من دون التضحية بصحة المعلومات.

الخوارزميات والذكاء الاصطناعي
تؤثر خوارزميات منصات التواصل في طبيعة المحتوى الذي يظهر أمام المستخدم، إذ تمنح فرصاً أكبر للمواد التي تحقق تفاعلاً واسعاً، ومنها المحتوى المثير للغضب والخوف والجدل. ونتيجة لذلك، قد تنتشر الشائعة بسرعة أكبر من الخبر الذي يحتاج إلى وقت للتحقق.

وينصح الأحمد بالتعامل الواعي مع إعادة النشر، واستخدام أدوات الإبلاغ والحظر والإخفاء عند مواجهة الحسابات التي تنشر التضليل أو تحرض على الكراهية. كما يشدد على أهمية اختيار المصادر بحسب اختصاصها، والعودة إلى الجهات المعنية والخبراء عند متابعة الأخبار السياسية والاقتصادية وغيرها.

ويضيف أن أدوات الذكاء الاصطناعي زادت صعوبة التحقق، مع قدرتها على إنتاج صور ومقاطع صوتية وفيديوهات تبدو واقعية. ويبدأ التعامل مع هذه المواد من فحص مصدرها وتاريخ نشرها، والبحث عن النسخة الأصلية، ومقارنتها بمصادر مستقلة، خاصة عندما يتعلق المحتوى بقضايا حساسة أو أحداث سريعة التطور.

المدرسة والأسرة شريكان في بناء الوعي
يضع الأحمد المؤسسات التعليمية والأسرة في مقدمة الجهات القادرة على ترسيخ محو الأمية الإعلامية في سوريا، معتبراً أن معالجة خطاب الكراهية تحتاج إلى جهود طويلة الأمد، تبدأ من تنمية الحوار واحترام الاختلاف وتعزيز الانتماء الوطني.

ويتطلب ذلك وضع سياسة وطنية تحدد الأولويات والمسؤوليات والموارد، وتراعي احتياجات الطلاب والمعلمين والأسر والإعلاميين. كما تحتاج المدارس إلى أنشطة تشاركية تساعد الطلاب على فحص الأخبار ومناقشة مصادرها وفهم أثر الكلمات والصور في الآخرين.

أما الوصول إلى المواطن، فيبدأ من القضايا التي تمس حياته اليومية، مثل سلامة أسرته ومستقبل أطفاله وأمنه واستقراره. ويرى الأحمد أن الخطاب التوعوي يصبح أكثر تأثيراً عندما يقدم أمثلة وحلولاً عملية، ويستخدم لغة قريبة من الناس، ويمنحهم مساحة للمشاركة والتعبير.

وتستطيع الأسرة أن تجعل التحقق جزءاً من الحوار اليومي، عبر أسئلة بسيطة تتعلق بمصدر المعلومة ودليلها وطريقة التأكد منها. كما تؤدي القدوة دوراً مهماً في تشكيل وعي الأطفال والشباب، إلى جانب توفير مساحات آمنة للحوار، وبرامج تساعد أولياء الأمور على التعامل مع المحتوى الرقمي.

من الوعي الفردي إلى المسؤولية المشتركة
وفي ختام حديثه، يشدد الأحمد على أن تعزيز محو الأمية الإعلامية يبدأ من تطوير بيئة العمل داخل المؤسسات الإعلامية، وتحسين إتاحة المعلومات، وترسيخ ثقافة التحقق والتصحيح، وتوسيع المهارات العملية للعاملين.

ويحتاج هذا المسار إلى تمويل وخطط واضحة ومؤشرات لقياس النتائج، إلى جانب تعاون المؤسسات الإعلامية والتعليمية والأسر والمجتمع المدني.

وفي سوريا، حيث تتقاطع تحديات إعادة بناء المؤسسات مع الحاجة إلى ترميم الثقة بين الناس، يصبح التحقق من المعلومات مسؤولية يومية تسهم في الحد من الشائعات والكراهية، وتساعد على حماية المجتمع من الانقسام.

وتبدأ هذه المسؤولية من سؤال يطرحه كل فرد قبل مشاركة أي خبر، عن مصدره ومدى صحته، لتصبح المعلومة الموثوقة أساساً للحوار، ويغدو الوعي الإعلامي جزءاً من مشاركة السوريين في بناء مستقبل أكثر استقراراً وتماسكاً.

صحيفة الثورة السورية