مفردة (التربية) مشتقة من الجذر الثلاثي (ر ب و)، والفعل (ربا/يربو) يعني (نما/ينمو) وفي التربية معنى التهذيب والتأديب والتدريب والنمو، أما مفردة (الثقافة) فهي في الأصل صفة للرمح، حيث يقال: «رمح مثقف»، أي معتدل، مستقيم، تخلص من اعوجاجه، وفي مفردة (الثقافة) المعاني التي في التربية، مع اختلاف في درجات التركيز على هذا المعنى أو ذاك، وأما مفردة (السياسة) فهي في الأصل ترويض الخيول الوحشية الجامحة، وذلك بالتدريب والتهذيب والتأهيل، وهي المعاني الموجودة في مفردتي (التربية والثقافة)، في اللغة العربية، قبل أن تنتقل هذه المفردات إلى المعاني الاصطلاحية المعروفة.

هنا نلحظ أن المفردات الثلاث على مستوى اللغة، أو بالنظر لكونها حقولاً دلالية، هذه المفردات تكاد تكون مترادفة، أو لنقُل إن هذه الحقول الدلالية متقاربة، لكنها في الواقع، وعلى مستوى الممارسة تختلف في الدلالات والوسائل والغايات.

في الحقل التربوي، ونحن صغار درسنا أن (الوحدة) مطلب ديني، وحفظنا آيات تحث على الوحدة، وتنبذ الفرقة والتقسيم، وفي الحقل الثقافي تعد الوحدة من المعاني والقيم السامية، وفي الأدب والشعر والأمثال الشعبية الكثير من المضامين والمحتويات التي تتغنى بالوحدة وتذم الفرقة، ولا زلنا نحفظ قول الشاعر الذي دخل كل مناهج التربية:
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا
وإذا افترقن تكسرت آحادا
وأما الآية: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، فطالما رددها الخطباء والدعاة على المنابر، في المناسبات الدينية، واللقاءات الاجتماعية، وأذاعتها وسائل الإعلام. كل هذا يشير إلى تقارب المؤسستين: (التربية والثقافة)، إزاء (الوحدة)، كنموذج من نماذج التقاء هاتين المؤسستين.

لكن السياسة، رغم كونها – لغة – تلتقي مع التربية والثقافة في مضامين التهذيب والتأديب والتدريب والتقوية، إلا أن السياسة تعد المجال الذي ترتج فيه الدلالات عندما ننزلها من المستوى النظري إلى الواقع، حيث المشارب والتوجهات والآراء والأهواء والأطماع وصراع القوى، الأمر الذي يجعل السياسة بمعناها العملي تفترق عن التربية والثقافة، ويبدو ذلك جلياً في أن ما حفظناه في المدرسة، وما قاله لنا الشعراء والأدباء، وما روته الروايات والأمثال الشعبية، رأينا نقيضه في الهيئات والمكونات والأحزاب السياسية.

حتى القيم الدينية التي تعلمناها في المدرسة، هذه القيم عندما جاءت للسياسة تجرفت بشكل كبير، ما جعل بعض من كان يؤمن بها يرتدون عنها، وتهتز قناعاتهم فيها، الأمر الذي أدى إلى حالة من الفصام بين مؤسساتنا التربوية والثقافية والسياسية.

ماذا يجري؟
لماذا نتعلم في المدرسة شيئاً، ثم نكبر ونرى السياسة تعلمنا غيره؟ لماذا تقول لنا مؤسسة ما شيئاً وتمارس مؤسسة أخرى غيره، في البلد الواحد من بلداننا؟

لماذا علمونا أن بلاد العرب واحدة، ثم كبرنا ووجدنا حدوداً وجوازات ورايات ودولاً مختلفة، بل ولماذا وجدنا مدرس التربية الإسلامية يتحدث عن وجوب وحدة المسلمين، وخطيب الجمعة يقول «إن يد الله مع الجماعة»، ثم لما استمعنا للسياسي حدّثنا عن الحدود والسيادة والمؤامرة، ومارَسَ التفرقة والتقسيم. ألم يذهب السياسي إلى المدرسة التي تكرس مفاهيم الوحدة وتنبذ الفرقة؟
الواقع أن مؤسساتنا التربوية والثقافية تخرج مخرجاتها مشبعة بكلام مثالي جميل، غير أن السياسة تمثل الصخرة التي تمتحن عليها تلك المثاليات، ولأن تلك المؤسسات – في بلداننا – لا يجمعها بالمؤسسات السياسية نسقٌ واحد، أو حتى أفق زمني متسق، نقع في التشوش الكبير الذي يحدث عندما نكتشف أن ما تعلمناه في المدراس، وما قاله الشعراء والمثقفون، وما قاله خطباء الجمعة، كل ذلك لا يجد تطبيقاً له على المستويات السياسية، حيث تنتمي (التربية والثقافة) لأفق، بينما تنتمي السياسة لأفق مغاير، دون أن تجتمع تلك المؤسسات في نظام نسقي متجانس.

هذا الخلل في المستويات الثلاثة: التربوية والثقافية والسياسية ينم عن غياب الأبعاد التربوية والثقافية في الممارسة السياسية، وينم عن غياب الواقع السياسي عن الفضاءات التربوية والثقافية، وعندما تكون الحالة تلك فإن هذا يشير إلى انقسام دُولنا ومُجتمعاتنا، بين ما تطرحه التربية والثقافة وما تمارسه السياسة، وهذا يعني أن كل مستوى من المستويات يعمل بمعزل عن الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى الصدامات المستمرة بين مخرجات المؤسسات التعليمية والثقافية ومدخلات المؤسسات السياسية.

ولكي نخرج من حالة الصِدام المستمر ينبغي بناء استراتيجية واضحة المعالم تعمل كل مستويات البناء المؤسسي وفقاً لها، وذلك ضمن سياقاتنا الحضارية والتاريخية، وواقعنا المعيش، وبشكل لا يؤدي إلى وجود شباب مؤمن بأفكار لا يؤمن بها الساسة، أو وجود ساسة يغترفون من مناهل بعيدة عن سياقاتنا الحضارية، وهو ما يؤدي إلى صِدام الحركات الإسلامية والأنظمة السياسية، على سبيل المثال.

هناك خلل يكمن في غياب الأداء الاستراتيجي الجامع الذي يستلهم التاريخ ويستوعب المنتج المعاصر، ويبني مؤسساته على أساس واحدية الأهداف والوسائل، وهو ما يجعل المدرسة والمسجد والحزب السياسي مؤسسات تعمل في نسق واحد، وفي تناغم وانسجام لخدمة الأهداف الاستراتيجية العليا لشعوبنا، بعيداً عن حشر سياسات مستنسخة وأيديولوجيات مقولبة، وأفكار ماضوية – معاً – في نسق واحد، وهي الوصفة التي يحتاجها أي مجتمع لكي تنهار منظوماته التربوية والثقافية والسياسية، ومن ثم تنهشه أسنّة الصراع بين مكوناته الدينية والعرقية والسياسية المختلفة.

وخلاصة هذه الاستراتيجية تكمن في أن نعمل بموجب المعاني اللغوية للكلمات الثلاث: التربية والثقافة والسياسية، لأن العمل بالمفاهيم اللغوية الخالصة لهذه الكلمات يعني إنشاء مؤسسات قائمة على محتوى ومضامين تلك الحقول الدلالية، وبالتالي انسجام عمل المؤسسات مع الحقول الدلالية لتلك المفردات.

هذه ليست مهمة مستحيلة، بل إن معظم الدول الغربية تقوم بها، حيث اتسقت مؤسساتها المختلفة في خدمة سياقاتها الحضارية من جهة، ومتطلبات مجتمعاتها التنموية من جهة أخرى، كما أن بعض دول العالم الثالث بدأت في تنسيق جهود تلك المؤسسات، ضمن نسق واحد يؤدي إلى الانسجام، ولا يعني بالضرورة إلغاء الفروق.

ونحن يمكن أن نصل إلى مستوى عالٍ من التنسيق بين مؤسساتنا المختلفة، على ألا تقوم مؤسساتنا التربوية والثقافية والسياسية على أساس من الترقيع والتلفيق بين ما هو أصيل من ماضينا وما هو دخيل من حاضر غيرنا. يجب أن نكون امتداداً متجاوزاً لماضينا، وأن نتخلص من جناية الاستعمار الأجنبي الذي أحدث قطيعة لا زلنا نعاني منها بين ماضينا وحاضرنا، قطيعة أربكت الخط النهضوي الذي بدأ عندنا مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، الأمر الذي أنشأ لدينا مفاهيم مضطربة، ومؤسسات متصارعة، أورثتنا فصاماً حاداً في شخصيتنا الحضارية، لا يزال يعيد إنتاج صراعاتنا الفكرية والثقافية والسياسية إلى اليوم.

القدس العربي