تتشكل اليوم ملامح شرق أوسط جديد لا مكان فيه لأنصاف الحلول أو للكيانات الموازية التي تنهش في جسد السيادة الوطنية، حيث أضحى من غير المسموح وجود ميليشيات مسلحة أو أقاليم خارجة عن سلطة القانون داخل حدود الدول.
إن العنوان الأبرز لهذه المرحلة هو العودة إلى مفهوم الدولة المركزية القوية، صاحبة القرار السيادي المطلق، والتي تبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني دون شريك أو منازع، إيماناً بأن استقرار المنطقة والعالم بات رهيناً بإنهاء ظاهرة “الدولة داخل الدولة” التي عطلت التنمية وأججت الصراعات لعقود طويلة.
وتبرز التجربة السورية كنموذج رائد في هذا التحول الجذري، حيث استطاعت القيادة السورية الجديدة تارةً بحكمة وتارةً أُخرى بحزمٍ شديد إنهاء حالة الفصائلية التي كانت تمزق البلاد، ونجحت في توحيد كافة القوى تحت راية جيش سوري واحد يأتمر بأمر قيادة مركزية موحدة.
وفي هذا السياق، طوت الدولة السورية صفحة المشروع الانفصالي الذي كانت تمثله ما تسمى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). لقد كشفت الوقائع أن هذه القوات، منذ نشأتها في عام 2015 وحتى انتصار الثورة السورية، لم تخض أي معركة حقيقية ضد النظام السابق، بل ركزت كامل ثقلها العسكري ضد فصائل الجيش الوطني السوري في شمال غرب البلاد، كما حدث في عمليات غصن الزيتون ونبع السلام ودرع الفرات ومعركة منبج. واليوم، تواصل الدولة السورية جهودها السيادية لحل آخر البؤر الانفصالية في السويداء.
ولا يبتعد المشهد العراقي عن هذه الرؤية، حيث اتخذت الحكومة العراقية برئاسة علي فالح الزيدي خطوات شجاعة وغير مسبوقة لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. فقد وجهت الحكومة نداءات علنية وحازمة لكافة الميليشيات الخارجة عن إطار الدولة بضرورة تسليم سلاحها فوراً، مؤكدة أن زمن السلاح المنفلت قد ولى إلى غير رجعة.
ولم يقتصر هذا التوجه على الداخل العراقي فحسب، بل امتد ليشمل إقليم شمال العراق، حيث طالبت بغداد الإقليم بتسليم كامل ترسانته العسكرية لتكون تحت إشراف الجيش والأمن العراقيين حصراً.
هذا الحزم يعكس إدراكاً عميقاً بأن قوة العراق تكمن في مركزية قراره العسكري والأمني، وأن وجود أي قوة مسلحة خارج هيكلية الدولة يمثل تهديداً مباشراً للوحدة الوطنية واستقرار المنطقة. أما في لبنان، فقد تعالت الأصوات الرسمية والشعبية الداعية بشكل واضح وصريح لحل المعضلة التي طال أمدها، والمتمثلة في سلاح حزب الله الإرهابي.
لقد بات المطلب اللبناني اليوم هو تسليم هذا السلاح إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية الشرعية، ليكون الجيش اللبناني هو الحامي الوحيد والسيادي للحدود والداخل. إن استعادة الدولة اللبنانية لقرارها الحربي والسلمي، وتجريد الميليشيات من قدرتها على اختطاف القرار الوطني، يمثل حجر الزاوية في بناء لبنان الجديد القادر على الاندماج في محيطه العربي والدولي كدولة طبيعية تحترم القوانين والمواثيق الدولية.
إن الإصرار على وجود دول مركزية قوية خالية من الميليشيات والتيارات الانفصالية ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة وجودية للعالم أجمع لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة.
فمن الناحية السياسية، تضمن الدولة المركزية وجود مخاطب واحد وشرعي يمثل إرادة الشعب أمام المجتمع الدولي، مما يسهل عقد الاتفاقيات وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية بعيداً عن تقلبات الميليشيات.
وأمنياً، فإن حصر السلاح بيد الدولة ينهي خطر الإرهاب العابر للحدود ويمنع تحول الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يوفر بيئة آمنة للمواطنين وللجوار على حد سواء.
أما اقتصادياً، فإن العالم يشهد اليوم سباقاً لمد خطوط الطاقة والبيانات الكبرى التي تربط القارات، وفي قلب هذه التحولات يبرز “مشروع البحار الأربعة” الاستراتيجي، الذي يهدف لربط البحر المتوسط والأسود والخليج العربي وبحر قزوين عبر ممرات لوجستية وأنابيب نفط وغاز تجعل من المنطقة عقدة الطاقة العالمية.
إن مثل هذه المشاريع العملاقة، بما تشمله من كابلات إنترنت بحرية وأرضية تنقل بيانات العالم، لا يمكن أن تقوم أو تستمر إلا في ظل حكومات مركزية قوية تضمن أمن الجغرافيا وتحمي الاستثمارات من عبث الميليشيات أو النزعات الانفصالية.
إن أمن الطاقة العالمي بات مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بخلو المنطقة من السلاح خارج إطار الدولة، حيث لا يمكن لرأس المال العالمي أن يغامر بمليارات الدولارات في بيئات تفتقد لسيادة القانون. لذا، فإن التوجه نحو الدولة المركزية القوية هو ركيزة الاستقرار العالمي، والضمانة الوحيدة لتحويل الشرق الأوسط من ساحة للصراعات إلى جسر حيوي للتجارة والطاقة والبيانات يخدم البشرية جمعاء.
صحيفة الثورة السورية




Comments are closed for this post.